"الزواج المحدد المدة" تحايل على الشرع
د. فادية عمر: جريمة أضرارها النفسية بالغة الخطورة.
د. ملك أحمد: فتنة يجب محاكمة المروّجين لها.
الشيخ محمود الجبرتي: لا يصح شرعًا لمخالفته أحكام الشريعة.
تحقيق: رانيا كرم الدين
"الزواج المحدد بوقت" جريمة مستترة يروّج لها أصحاب النفوس المريضة بين الحين والآخر، بهدف النيل من ثوابت الدين، ومخالفة أحكامه التي شرعت الزواج لبناء أسرة مستقرة، وجعلته ميثاقًا غليظًا، ومستمَرًّا إلى الأبد. وعليه فإن اشتراط جعل العقد محددًا بمدة معينة يُبطل الزواج، كون هذا مخالفًا للشريعة الإسلامية؛ حيث إن هدف الزواج الأساسي هو بناء أسرة مستقرة، وليس مجرد عقد محدد المدة ينتهي بنهاية تلك المدة.
ردود فعل متباينة بين مؤيد ومعارض لهذا النوع من الزواج؛ حيث يراه الموافقون عليه محاولة جدية وضرورية لـ"تحديث" "الزواج المدني"، بينما يراه المعارضون تهديدًا لاستقرار الأسرة، وبالتالي استقرار وأمن المجتمع.
تقول د. فادية عمر، مدرس علم النفس بجامعة القاهرة، واستشاري الطب النفسي، إن هذا الزواج ما هو إلا نوع من أنواع الجرائم المستترة، بسبب انتشاره في المناطق التي تزداد فيها الانحرافات الجنسية، وذلك بعد الجدل"الزواج المحدد بوقت" جريمة مستترة يروّج لها أصحاب النفوس المريضة بين الحين والآخر، بهدف النيل من ثوابت الدين، ومخالفة أحكامه التي شرعت الزواج لبناء أسرة مستقرة
الواسع الذي أحدثه هذا النوع من الزواج داخل المجتمع، مشيرة إلى أن الأزهر الشريف قد انتفض ضد المبادرات التي روّجت له، واعتبر الأزهر عقود هذا الزواج باطلة بسبب تحديد مدته، ووقوع الانفصال بين الزوجين لمدة معينة، فضلًا عن فقدان المرأة لحقوقها في هذا الشكل من أشكال الزواج، كما تصبح في حالة اجتماعية ونفسية سيئة، مؤكدة أن الزواج هو علاقة قانونية وأخلاقية ودينية، وأن العواقب والآثار النفسية خطيرة لكلا الزوجين، والمرأة هي الأكثر تضررًا في مثل تلك العقود، وقد تصبح بلا حقوق.
اضطرابات نفسية
وتضيف مدرس علم النفس أن الزواج محدد المدة يؤدي إلى الوقوع في العديد من الاضطرابات النفسية مثل القلق والاكتئاب، كما أن شرط "تحديد المدة" يجعل الزواج مفتقرًا إلى الاستقرار، وهو ما يخالف شرط الزواج المهم الذي يقوم على التفاهم المتبادل والانسجام الروحي والنفسي، وهو ما يجعل الزواج المحدد المدة مخالفًا لهذه المبادئ، مشددة على ضرورة القضاء على مثل هذه الأفكار الهدامة للمجتمع، مع وجود حلول بديلة لتوعية المقبلين على الزواج، ومساعدتهم على تكوين حياة زوجية مستقرة.
متعة مؤقتة
من جانبها تؤكد د. ملك أحمد، مدرس علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن من سلبيات وسائل التواصل الاجتماعي انتشار مثل تلك الأفكار التي يتهافت عليها الكثير من باب الفضول، بالإضافة إلى سعي مروّجيها لتحقيق متعة مؤقتة، وعدم الالتزام، وتحكّم أحد الزوجين بالآخر، فضلًا عن التملص من المسؤولية، الأمر الذي يزعزع الاستقرار الأسري.
وتؤكد مدرس علم الاجتماع أن الزواج لا يحتاج لتجربة، لأن الإسلام شرع "الخطبة" قبل إبرام عقد الزواج، وذلك لكي يحدث التقارب بين الخاطب ومخطوبته تحت رقابة الأسرة، وحتى يتعرّف كل منهما على إيجابيات وسلبيات الآخر بشكل أفضل، وفي النهاية إما الاتفاق والتلاقي فيتم عقد القران، وإما الاختلاف وتنافر الأفكار، وهنا يكون القرار بفسخ الخطبة.
وتؤكد د. ملك أن المتحمسين لهذا العقد الفاسد يجب محاكمتهم بتهمة إثارة الفتنة داخل المجتمع، والتحريض على الفسق والفجور ونشر الفحشاء، بل وازدراء الأديان.
باطل شرعًا
أما الشيخ محمود الجبرتي، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، فيؤكد أن حكم تقييد عقد الزواج بمدة زمنية محددة، مثل قول الزوج: "تزوجتك مدة معينة"، باطل ولا يصح شرعًا، ويُعد في حكم "نكاح المتعة" المنهي عنه،
مبينًا أن الزواج في الإسلام لا يجوز أن يكون مؤقتًا أو محددًا بمدة، وإنما يُشترط أن يكون عقد الزواج مطلقًا وغير مقيد بمدة زمنية.
ويبيّن الشيخ الجبرتي أن هذا الحكم يستند إلى الحديث النبوي الشريف عن نكاح المتعة، في قوله صلى الله عليه وسلم: «إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة»، مشددًا على أن الزواج المؤقت ينافي الهدف الأساسي من عقد الزواج، وهو إقامة الأسرة على أساس دائم ومستقر.
ويؤكد أن جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة أجمعوا على بطلان الزواج المؤقت، مستشهدين بآراء علماء كبار أجازوا صحة عقد الزواج فقط إذا كان مطلقًا، ورفضوا أي شرط يقيّد العقد بمدة محددة، مشيرًا إلى ضرورة التزام صيغة الزواج الشرعية الصحيحة التي تضمن استمرارية العقد دون تحديد مدة، حفاظًا على أركان الزواج ومقاصده السامية في المجتمع الإسلامي. وأنه متى تم اشتراط مدة معينة في عقد النكاح، فإن العقد ينفسخ بعدها، فالنكاح في هذه الحالة باطل باتفاق الأئمة؛ لأن هذا هو نكاح المتعة الذي حرّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أن تحديد مدة الزواج يخلّ بمقصود النكاح من المودة والرحمة والسكن، ويجعل الزوجة بمنزلة المستأجرة.
ويشير الشيخ الجبرتي إلى أن الزواج ميثاق غليظ لا يجوز العبث به، واشتراط عدم وقوع انفصال بين زوجين لمدة خمس سنوات أو أقل أو أكثر، فيما يسمى بزواج محدد المدة، اشتراط فاسد لا عبرة به. كما أن اشتراط انتهاء عقد الزواج بانتهاء مدة معينة يجعل العقد باطلًا، مبينًا أن هذا النوع من الزواج الذي هو زواج بمدة معينة أو زواج مؤقت، يصطلح عليه الفقهاء بالزواج بشرط أو الزواج المشروط، وهو في حقيقته زواج مكتمل الأركان، ولكن ما يفسده وجود شرط ينافي مقتضى العقد، وهو تأقيت العقد بمدة معينة. أما باقي الشروط ففيها خلاف، كاشتراط الزوجة عدم التعدد أو طلاق ضرتها أو عدم منعها من العمل، فضلًا عن شروط الزوج كعدم النفقة عليها أو عدم التوارث بينهما أو عدم تبني الأطفال، مبينًا أن هذه الشروط تتنافى مع مقتضى العقد، وتُعد باطلة وتبطل العقد عند جمهور الفقهاء، باستثناء الحنفية الذين قالوا لا يبطل العقد بها إلا ما يتعلق بتأقيت العقد، مشددًا على أن عقد الزواج المؤقت باطل عند جميع الفقهاء، أما باقي الشروط فمنها ما يبطل ومنها ما لا يبطل وفقًا لرأي الفقهاء.
ويؤكد الشيخ الجبرتي أن هذه الأفكار أمر خطير على المجتمع المسلم وعلى دينه، ويؤدي إلى هدم القيم الدينية، ويخالف مقاصد الشريعة الإسلامية، فضلًا عن مخالفته فقه النكاح؛ لأن الأصل في الزواج أن يكون وفق الأحكام المتعارف عليها في جميع المذاهب الفقهية عند أهل السنة والجماعة.



